دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [2]

![دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [2]](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2026/2/6/cd583b14-57fe-4a32-a0ed-747da3677a74/2.jpeg?width=1200&format=jpg)
لا يزالُ الحديثُ هنا عن مذكّرات كاظم الخليل التي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، دار سائر المشرق. وتداول البعض مخطوطة الكتاب لِما فيها من تناول لمرحلة مهمّة في تاريخ لبنان المعاصر والإحاطة الشاملة التي تضمّنها الكتاب. وذاكرة المؤلّف قويّة جداً وهو يروي أحداثاً بتفاصيلها (علمتُ أنّ المخطوطة هي بقلم الكاتب بالكامل ولم يشارك صحافيّون في التأليف). والمذكّرات تغطّي مرحلة سياسيّة طويلة من العمل السياسي التي برزَ فيها الخليل إلى جانب عدد من زعماء لبنان. والكتاب يسدُّ ثغرات في تأريخ لبنان المعاصر وبخاصّة عن مرحلة الحرب الأهليّة التي لا تزال تفتقر إلى التوثيق والتدوين.
ومن البارز في هذه السرديّة للخليل أنّه، خلافاً لزعماء الشيعة من آل الأسعد وعسيران وحمادة والزين، يعترفُ بوجود الإقطاع (في جبل عامل كما في سائر أنحاء لبنان) كما يعترفُ بمآسي الإقطاع وتأثيره على الناس العاديّين. هذه الشهادة الصادقة تُحسبُ للخليل، إذ يقولُ عن البلاد العربيّة إنّ العثمانيّين «ثبّتوا فيها حُكم الإقطاع، بأسوأ أنواعه وحالاته» (ج. 1، ص. 46). ويتحدّثُ أيضاً عن الرشوة والفساد في العهد العثماني، كما إنّ وصْفه للنظام الوظيفي يومئذ يذكّر بنظام المحسوبيّة والمحاصصة الموجود في دولة لبنان المعاصرة.
لكنْ في موقع آخر من الكتاب، يحاولُ الخليل التخفيف من وقْع تصنيف الإقطاع فيقول: «لم يكن في الطائفة الشيعيّة إقطاع بمعناه الصحيح، كما كان في الطوائف الأخرى. ولكنّ هيمنة تلك العائلات لم تخرج عن كونها ضرْباً من الإقطاع الذي كان يُثقل كاهل الفلاح» (ص. 61). وهذه الشهادة أفضل وصفاً من تصنيف منذر جابر في كتابه عن يوسف الزين («يوسف بك الزين: من جبل عامل إلى الجنوب اللّبناني»، من المُستحسَن أنّ كاظم الخليل تخلّى عن لقب الباكويّة في يوميّاته) عندما جهدَ للتغاضي عن مرحلة الإقطاع ومقارنتها -إيجاباً- بمرحلة سيادة الثنائي الشيعي في الجنوب).
ويصف الخليل نظام الزبائنيّة وعلاقة الفلاحين بالزعيم، كما كانت في العهد العثماني، بدقّة متناهية: «كان الأمن مفقوداً في البلاد، وكانت مباحة للزعماء يأمرون فيها وينهَون، وكان رجالهم ينفّذون أوامرهم بكلّ عناية، ولم تكن تُسمع شكوى لفلّاح في أيّ دائرة حكوميّة من دون توصية من الزعيم، فالدوائر الحكوميّة كانت وقْفاً على الزعماء لتنفيذ إراداتهم» (ج. 1، ص. 56). هذه الحال لا تزال تسري في لبنان إلى حدٍّ ما. ويضيف: «وكان في البلاد فريق من أتباع الزعماء مختصّين بإدارة المسروقات والإشراف عليها ويعيشون مِن دخْلها» (ص. 56). لكنّ اللّافت في سرديّة الخليل أنّ اهتماماته وحساسيته لوضْع الفقراء والفلاحين يبدو للقارئ وكأنّه يقلُّ على مرور السنوات، ربّما لأنّ المرحلة التي تلَت الاستقلال كان هو مُشاركاً ونافذاً فيها، ومُسهِماً في صناعة نظامها. لكنّ غيره من الزعماء الشيعة لم يعترفوا بالمظالم التي لحقت بالفلاحين الشيعة (وغير الشيعة) في الجنوب.
كان الخليل معروفاً بضلوعه في شؤون الزراعة (رغم تخصّصه في القانون) ويتحدّثُ عن الأراضي الزراعية بكثير من المعرفة. وهذا مغاير بالكامل لزعيم شيعي آخر، كامل الأسعد، الذي لم يكن يريد أن يطأ حذاؤه اللمّاع أرضاً فلحتْها أيدي فلّاحيه. ويعترف الخليل أنّ الفلاحين كانوا تاريخيّاً يرَون أنّ مصالحهم مرتبطة بوجود الزعماء. لكنّه يذهب بعيداً عندما يقول عن الفلّاحين: «لذلك لم يروا أنّ ما يؤدّونه للزعيم وما يبذلونه في سبيله من تضحيات ظلم أو امتهان لكرامتهم، بل شرف لهم وواجب عليهم يقومون به من أجل مصلحتهم وبقائهم. حتى أنّهم كانوا يخدمون في منازل الزعماء، ذكوراً وإناثاً، من دون أيّ أجر» (ص. 59).
لكن كيف يمكن أن يرى الفلّاح في قرارة نفسه العمل في المنازل شرفاً له وهو لم يكن حُرّاً في التعبير عن مشاعره الحقيقيّة وليس له من خيار لإيجاد عمل آخر؟ هذه تذكّرُ إلى حدٍّ ما بمقولات في تاريخ العنصريّة الأميركيّة البيضاء عندما كان مُلّاك العبيد يزعمون أنّ العبيد سعداء في حالة الاستعباد وعمل السخرة. يجب في هذه الحالة أن نُحيل القرّاء إلى سِيَر لفلاحين (أو عن فلّاحين) عانوا من الفقر والاضطهاد والعوز الذي عبّر عنه الشاعر موسى شعيب في قصيدته:
«يا قصوراً عشّش الإثمُ على أسوارها جيلاً فجيلاً، مجدك الزائف شيّدناه والجوع طويلاً».
يستطيع الزعيم أن يصل إلى المجلس النيابي وأن يتحدّث عن معاناة الفلّاحين والفقراء (وهناك خُطب ليوسف الزين في مجلس النواب تتضّمن وصْفاً تفصيليّاً لعذاب الفلاحين والفقراء في الجنوب) لكنّه لا يستطيع أن يصبح ناطقاً باسمهم أو مُترجماً لمشاعرِهم. لا ينطق باسم مشاعر الفقراء إلّا الفقراء وفقط عندما يكونون في حالة حريّة قانونيّة واجتماعيّة واقتصاديّة.
الخليل على حقّ في أنّ «أوضاع الطائفة الشيعيّة... لم تكن تختلف كثيراً عن أوضاع الطوائف الأخرى» (ص. 61) لكنّ الجنوب كان يختلف عن مناطق أخرى في لبنان وبخاصّة بعد النكبة. وكان العملُ السياسي محصوراً أو محتكَراً من قِبل «عدد محدود من العائلات الشيعيّة. وكانت الروابط بين هذه العائلات تنبعث في كثير من الأحيان من علاقة القُربى في ما بينها» (تصاهرت، مثلاً، عائلة الخليل مع عائلات عسيران وحيدر والصعيدي، كما إنّ صبري حمادة تزوّج من شقيقة كامل الأسعد رغم النزاع والتنافس المحتدم بين الرجلَين على الزعامة الشيعية، وبالتالي على رئاسة المجلس). ويعترف الخليل أنّ تلك العائلات كانت «تهيمن على كافة مرافق البلاد ومواردها من زراعية وغير زراعية» (ص. 61).
من البارز في هذه السرديّة للخليل أنّه، خلافاً لزعماء الشيعة من آل الأسعد وعسيران وحمادة والزين، يعترفُ بوجود الإقطاع (في جبل عامل كما في سائر أنحاء لبنان) كما يعترفُ بمآسي الإقطاع وتأثيره على الناس العاديّين
يتحدّث الخليل بكثير من الإعجاب عن عبد الكريم الخليل الذي يعدّه قريباً له من دون أن يوضّح طبيعة القرابة بالتحديد، إذ إنّ الخليل وُلدَ في الشياح من ضواحي بيروت لعائلة فقيرة. لكنّ الخليل يستفيض في شرح سيرته لأنّه باتَ، أي عبد الكريم، (شِئنا أم أبَينا) رمزاً للعمل الوطني بسبب إعدامه من قِبل الحاكم التركي. أصبح بطلاً وشهيداً رسميّاً في الدولة. لكن شكيب أرسلان وأبو علي سلام أوضحا (كلٌّ في مدوّنته) الخلفيّة السياسيّة لبعض رموز العمل الوطني آنذاك، الذين أصبحوا شهداء الوطن (أشكرُ الصديق العزيز، بدر الحاج، للَفْت نظري إلى الكتاب «إيضاحات: عن المسائل السياسيّة التي جرى تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكِّل بعاليه» عن رِجالات تلك المرحلة والوثائق التركيّة عن أدوار دُعاة العروبة في حينه).
سيرة أبو علي سلام (نشرها حسّان حلّاق وهي تغطّي عشر سنوات من حياته) تتطرّق إلى نشاط عبد الكريم الخليل. أبو علي سلام حافظ على روابط العثمانيّة والعروبة ولم يرتبط بسفارات أوروبيّة، ولم يلتقِ بمسؤولين فرنسيّين مثل غيره في أعضاء المؤتمر العربي الأوّل في عام 1913. ويروي أبو علي سلام كيف أنّ عبد الكريم الخليل فاتحه في أمر إشعال ثورة مسلّحة ضدّ الأتراك بالاتّفاق مع البريطانيّين (الذين وعدوا الخليل بالمال والسلاح) لكنّ سلام رفض الفكرة وقال للخليل: «يا عبد الكريم. أنصحك أن لا تتورّط بهكذا مسائل، وأما من جهتي، فلا أوافقك على هكذا أعمال مطلقاً» («مذكرات سليم علي سلام»، نسخة إلكترونية من دون صفحات متسلسلة).
وتفضح مذكّرات سلام دَور كامل الأسعد (الجدّ) في إعدام عبد الكريم الخليل، إذ كان هو الذي أبلغ جمال باشا بمؤامرة الخليل ورضا الصلح (يشير كاظم الخليل إلى دور كامل الأسعد في الوشاية، لكنْ من المبالغة القول إنّ الأسعد وجدَ في الخليل «خطراً على زعامته» (ص. 80). والقسم الذي يتحدّث فيه كاظم الخليل عن وشاية كامل الأسعد مهمّة وهي تدحض محاولة محمد جابر آل صفا (في «تاريخ جبل عامل») للتخفيف من أهميّة وشاية الأسعد وتثبتُ أنّ الأسعد فعل ما فعله «عن سابق تصوّر وتصميم وعِلم بالنتائج» (ص. 86).
يلمس القارئ أنّ حساسيّة كاظم الخليل الفائقة نحو أيّ تمييز أو اضطهاد للمسيحيّين، حقيقيّاً كان أم متخيَّلاً، تفوقُ حساسيّته نحو اضطهاد الشيعة في لبنان المعاصر. طبعاً، من المثير للإعجاب أن يتعاطف المرء مع أبناء طوائف غيره وبناتها على ألّا تكون الحساسيّة غير منسجمة أو متناسقة. ويذهب الخليل بعيداً جدّاً في الحديث عن وضْع المسيحيّين تحت الحُكم العثماني وهو بذلك يبدو متأثّراً بأساطير الكنيسة المارونيّة ومؤرّخي الانعزاليّة اللّبنانيّة وفيلم الرحابنة، «سفر برلك». ليس هناك أيّ دليل تاريخي لمقولة إنّ «الدولة العثمانية (كانت) تعتقد أنّ كلّ مسيحيٍّ في البلاد العربيّة، وفي لبنان، عدوّ للدولة وللأمّة وللمسلمين، وأنّ المسيحيّين هم سرطان في جسم الدولة يجب استئصاله» (ص. 105). هنا، أُحيلُ القارئ إلى كتاب المؤرّخ الرصين، أسامة المقدسي، «عصر التعايش: الإطار المسكوني وتكوين العالم العربي الحديث».
لنبتعد عن التعميم والإطلاق ونتحدّث بالتفصيل. إنّ نظام المِلل منح المسيحيّين حريّة العبادة وإدارة الأحوال الشخصيّة واستقلاليّة المؤسّسات التعليميّة والدينيّة التي حظيت بوضْع قانوني معترَف به داخل الدولة. وهذا الوضع كان متقدّماً جدّاً بمعايير العصر عن المجتمع الأوروبي قبل القرن الثامن عشر أو بعده (يُراجَع مثلاً كتاب بنيامين برود وبرنارد لويس «المسيحيون واليهود في الإمبراطورية العثمانيّة» وكتاب كارن بركي «إمبراطورية الاختلاف»).
صحيح كان هناك تمييز في فرْض قيود رمزية (اللّباس أحياناً أو حمْل السلاح والمناصب العسكريّة). لقد كان هناك تمييز مُقنَّن، لكنّ الاضطهاد كان نادراً، واختلف التطبيق بين زمان ومكان (المدن كانت أكثر تساهلاً من الأرياف). (يراجع كتاب خليل إنالشيك، «الإمبراطوريّة العثمانيّة: العصر الكلاسيكي» وكتاب ثريا فاروقي، «رعيّة السلطان»). أمّا في في الاقتصاد، فقد أدّى المسيحيون دوراً مركزيّاً بارزاً في التجارة والوساطة مع أوروبا وتفوّقوا في مجال الطباعة والطب والترجمة والصيرفة لاحقاً. وقد أثْرَت الكثير من عائلات الشام والأناضول. (يُراجع كتاب إيدهم إيلدم، «الاندماج المالي العثماني مع أوروبا» وكتاب بروس ماسترز، «المسيحيون واليهود في العالم العربي العثماني»).
أمّا بعد الإصلاحات («التنظيمات» في 1839 و1856) فقد أرست الإمبراطوريّة مساواة قانونيّة رسميّة وألغت الجزية وفتحت الوظائف العامة أمامهم. هذه المرحلة كانت ذهبيّة بالنسبة إلى الوضع القانوني للمسيحيين، ما أثار حساسية عند بعض المسلمين (يُراجع كتاب رودريك ديفدسون، «الإصلاح في الإمبراطوريّة العثمانيّة»). صحيح، أنّ وضْع الأقليّات كان يتدنّى في الحروب وفي الأزمات الاقتصاديّة، لكنّ النزعة اللّبنانيّة القوميّة في إطلاق تعميمات حول وضْع المسيحيّين ليست مبنيّة على أسانيد أو على توثيق تأريخي. على العكس من ذلك، لا يزال المسيحيون واليهود في الغرب يتحدّثون عن تسامح وليبرالية نسبية في وضْع الأقليّات تحت الحُكم العثماني مقارنةً بوضْع الأقليّات في المجتمعات الغربية في تلك الفترة.
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
